تحليل ورأي

أيها الدراميون المخرجة و الكاتبة عرفة حسن تكتب

أيها الدراميون

المخرجة و الكاتبة عرفة حسن تكتب

الدراما ليست تسلية عابرة، وليست وقتا يملأ في المساء. الدراما هي الوعي حين يغيب الوعي، وهي الصوت حين يخنق الصوت، وهي المرآة التي يرى فيها المجتمع نفسه بصدق.
منذ بداية الخليقة، كان المشهد أبلغ من الكلام. حين قتل قابيل أخاه، لم يعط خطبة، بل بعث له غرابا يريه كيف يواري سوءة أخيه. مشهد حي، تعليم بالفعل، درس بالصورة. وكأن الإنسانية تعلمت أول دروسها عبر فعل درامي كامل المعنى.
الدنيا قائمة على المحاكاة… نحن نتعلم مما نرى أكثر مما نسمع. والقرآن الكريم جاء قصصيًا لأن القصة تلامس القلب قبل العقل، وتبقى في الذاكرة طويلا. بل وورد لفظ التمثل في سورة مريم: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرا سويا﴾، في إشارة إلى أن الفعل المشهدي جزء من الفطرة الإنسانية، ومن أدوات الفهم والتأثير.
عبر العصور، كانت الدراما لسان حال الشعوب أمام الدولة. بها تناقش القضايا، وبها تصحح الأخطاء، وبها تبنى الهوية. إذا صلحت الدراما.. صلح المجتمع. وإذا ضعفت… تراجع الوعي.
أثر الدراما سحري. هي التي ترسخ القيم في البيوت دون ضجيج، وتزرع الأسئلة في العقول دون صدام. لذلك نرى كبار الفنانين، وصناع المحتوى، وكل من يملك جمهورا، يسعون إلى الدراما. لأنها الأعمق أثرا، والأبقى حضورا، والأقوى صناعة للذاكرة.
يا دراميي السودان.. ابقوا عشرة على بعض. لا تجعلوا الاختلاف يهزم الهدف، لا تجعلوا النزاعات الصغيرة تسرق الحلم الكبير. إن لم نتفق، إن لم نستمر، إن لم نبنِ بنية تحتية قوية، سنظل في دائرة الشتات والتفرقة. لكن إن توحدنا، وتكاتفنا، وأخلصنا للمهنة، يمكن أن يصبح السودان رقما صعبا في صناعة الدراما، كما فعلت الدول المتقدمة.
الدراما مشروع نهضة، الدراما مسؤولية وطن. الدراما ليست كاميرا ومشهدا فقط… بل رؤية، ورسالة، ومستقبل. تمسكوا بها، حافظوا عليها، وكونوا عشرة على بعض… فالسودان يستحق دراما تليق به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى