صحة الجزيرة..عطاءٌ باذخٌ يتحدى المستحيل

صحة الجزيرة..عطاءٌ باذخٌ يتحدى المستحيل
كتب شمس الدين حاج بخيت
في غمرةِ التحدياتِ وجبروتِ الظروف التي ألمّت بالبلاد، برزت وزارةُ الصحة بولاية الجزيرة كشجرةٍ طيبةٍ، ضربت جذورها في أعماق الأرض رسوخاً، ومدّت ظلالها الوارفة لتكون “برد مقيلٍ” وملاذاً آمناً لكل قاصدٍ للاستشفاء. لم يكن الأمر مجرد ترميمٍ لما أفسدته الحرب، بل كان ملحمةً من البناء وإعادة الصياغة، قادها بوعيٍ واقتدار الدكتور أسامة عبد الرحمن أحمد الفكي، الوزير المكلف، وأركان حربه، ليصيغوا من شتات الأزمة عقداً منظوماً بلآلئ الإنجاز، ويوثقوا مرحلةً هي “شاهد عصر” على إرادةٍ سودانية لا تعرف الانكسار.
قلاع التخصص.. لؤلؤٌ في جيد المنظومة الصحية
تجلّت عبقرية الأداء في تحويل ولاية الجزيرة إلى مرجعٍ قومي يضع حداً لرحلة الشقاء والبحث عن العلاج، عبر صروحٍ طبيةٍ شامخة أُعيد تأهيلها وتحديثها لتضاهي المستويات العالمية:
مركز ود مدني لأمراض وجراحة القلب: يتربع على عرش الخدمات القلبية في السودان، حيث تُجرى فيه عمليات القلب المفتوح والقسطرة العلاجية والتشخيصية للكبار والأطفال بدقةٍ متناهية، تعيد نبضات الأمل للخافقين.
مركز المناظير وزراعة الكبد: المركز الأوحد في البلاد الذي قدم نموذجاً فريداً في زراعة الكبد، ليصبح ملاذاً وطنياً مرجعياً يخدم كافة ولايات السودان بأحدث التقنيات.
مستشفى الذرة (الأمل المتجدد): الوجهة المتخصصة التي تخوض معارك ضارية ضد السرطان للأطفال والكبار، موفرةً أحدث الأجهزة التشخيصية والعلاجية بدعمٍ اتحادي مقدر، لتوطين العلاج داخل الولاية.
مركز جراحة الأطفال ومستشفى الكلى: حيث الكفاءة الطبية العالية والتدريب الرفيع، متمثلاً في شبكة تضم 19 مركزاً للغسيل الكلوي موزعة بإنصاف على المحليات لضمان وصول الخدمة لكل مواطن في موقعه.
كما يضطلع مستشفى ود مدني التعليمي بدورٍ محوري في استقبال مرضى الولاية والولايات الأخرى، مقدماً خدمات طبية عالية الجودة، إلى جانب دوره كمركز متقدم لتدريب الأطباء ورفع كفاءاتهم.
ويُعد مستشفى الصائم للعيون من المؤسسات الرائدة في تقديم خدمات طب وجراحة العيون، حيث تُجرى فيه مختلف العمليات باستخدام أحدث الأجهزة والتقنيات الطبية.
أما مركز الجزيرة للإصابات وجراحة المخ والأعصاب، فقد برز كمركزٍ فريد بعد الحرب في تقديم خدمات الطوارئ وجراحات المخ والأعصاب، مدعوماً بكوادر طبية مؤهلة ذات خبرة عالية في هذا المجال الدقيق.
شمس التنمية.. إشراقة الطاقة البديلة
ولضمان ديمومة هذا العطاء واستقرار الخدمة، استشرفت الوزارة آفاق المستقبل عبر “مشروع الطاقة الشمسية”. فبالتعاون مع الشركاء، تم ترويض أشعة الشمس لتكون شريان الحياة البديل للأقسام الحيوية؛ من غرف العمليات إلى العناية المكثفة والطوارئ، في توجهٍ تقني ذكي يضمن استمرار الأجهزة المنقذة للحياة تحت كل الظروف، ويحقق استدامةً بيئية وتشغيلية غير مسبوقة.
درع الوقاية.. صحة البيئة ومكافحة الأوبئة
لم تغفل وزارة الصحة بولاية الجزيرة جانب الوقاية، إيماناً بأن “درهم وقاية خير من قنطار علاج”، فكان ملف صحة البيئة في صدارة الأولويات. وقد شهدت الولاية جهوداً مكثفة ومنظمة لمكافحة نواقل الأمراض، عبر حملات رش واسعة النطاق استهدفت البعوض والذباب، نُفذت بالتنسيق المحكم مع وزارة الصحة الاتحادية، وجهاز الأمن والمخابرات العامة، وشرطة ولاية الجزيرة، والفرقة الأولى مشاة.
ولم تقف الجهود عند حد المكافحة التقليدية، بل امتدت إلى بناء منظومة استجابة سريعة وفعالة لمحاصرة الأوبئة، حيث نجحت الوزارة في احتواء العديد من الأمراض الموسمية والخطيرة مثل الكوليرا، وحمى الضنك، والملاريا، إضافة إلى التهاب الكبد الفيروسي بمختلف أنواعه. وقد تحقق ذلك عبر تكثيف حملات التوعية الصحية، وتحسين الإصحاح البيئي، ومراقبة مصادر المياه، إلى جانب التدخلات العلاجية السريعة التي أسهمت في تقليل معدلات الانتشار والوفيات.
الأمن الدوائي.. شريان الحياة المستدام
وفي محور لا يقل أهمية، أولت الوزارة اهتماماً بالغاً بتأمين الإمداد الدوائي، باعتباره حجر الزاوية في استقرار الخدمات الصحية. فقد عملت على توفير معظم الأدوية الأساسية، مع التركيز بصورة خاصة على الأدوية المنقذة للحياة، لضمان جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الحرجة دون انقطاع.
كما سعت الوزارة إلى تحسين كفاءة سلاسل الإمداد والتخزين، وتقليل الفاقد الدوائي، مع تعزيز الشراكات مع الجهات الداعمة لضمان استمرارية توفر الدواء بأسعار مناسبة. وقد أسهمت هذه الجهود في تعزيز ثقة المواطن في النظام الصحي، وتخفيف الأعباء عن المرضى، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والتحديات التي تمر بها البلاد.
الخاتمة.. فيض الشكر وشركاء النجاح
إن هذا الحصاد الطبي الذي يزين جيد ولاية الجزيرة، لم يكن ليتحقق لولا تضافر جهود مخلصة آمنت بأن صحة الإنسان هي أساس البناء والتنمية.
وفي هذا المقام، تتعالى كلمات الشكر والتقدير لكل من أسهم في هذه النهضة:
السيد وزير الصحة الاتحادي، الدكتور هيثم محمد إبراهيم، الذي كان لدعمه ومتابعته المستمرة بالغ الأثر في استقرار المنظومة الصحية وتوفير المعينات الطبية النوعية.
السيد والي ولاية الجزيرة وأعضاء حكومته، الذين جعلوا من الصحة أولوية قصوى، وسخروا الإمكانيات وذللوا التحديات.
أصحاب الأيادي البيضاء ورجال الخير، الذين كانت مساهماتهم السخية نبراساً أضاء دروب التنمية الصحية، وجعلت من عطائهم صدقات جارية تنبض بالحياة في كل مرفق صحي.
ختاماً، تبقى هذه الإنجازات شاهداً حياً على إرادةٍ سودانية صلبة لا تعرف الانكسار، وبشارةً بفجرٍ جديد يُبنى بسواعد أبنائه المخلصين، فجرٍ عنوانه الصحة، وركيزته الإنسان، وغايتُه وطنٌ معافى ينعم بالأمن والاستقرار والازدهار.